إجتماعي - ثقافي - تربوي
 
الرئيسيةالبطيحةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
الموقع الإلكتروني للمركز الثقافي العربي في البطيحة يرحب بكم

شاطر | 
 

 قصة النازحون الجزء الثاني

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
hassan

avatar

عدد المساهمات : 10
نقاط : 2283
تاريخ التسجيل : 20/09/2011
العمر : 27

مُساهمةموضوع: قصة النازحون الجزء الثاني   الأربعاء سبتمبر 21, 2011 8:45 pm

الجزء الثاني قصــة الـنازحين
الجزء الثاني قصــة الـنازحين
اليوم ليس كبقية أيام السنة عندنا نحن أبناء الجولان , في العاشر من حزيران جاء العدو الإسرائيلي وطردنا وشردنا وهدم بيوتنا ومساجدنا و قبور أجدادنا , إستباح كل شئ ...... حتى الحجـر ..!
لقد كنت طفلاً لا أعي مايدور حولي , ولكنني كنت مع أبناء جيلي أكثر من عانى وقاسى و بكى , ولما ترعرعت ونمى عودي لن أنسى تلك الأيام البائسة والحزينة التي ذهبت ولن تعود وما كان مني الإ أن أسأل نفسي لماذا نحن كنا الضحية ؟ لماذا نحن فقط كنا محرومين من الطفولة البريئة ؟
مازلت أذكر ذلك الطابور الطويل أمام نوافذ الإعاشة منذ الصباح الباكر تتوافد جموع النازحين من كل أطياف الجولان من عرب الفضل والهوادجة و التلاوية والبحاترة و التركمان والشركس و الجباتنة والعنافتة و البيانسة وغيرها مزيجاً من البشر نساء ورجال وأطفال وشيوخ وعجائز , هناك لا يكف عرب العشائر عن أحاديثهم و السؤال عن بعضهم وعن أقاربهم حتى تظن أنهم يتشاجرون , وهناك تنقعد حلقات النساء ما يميزهم الثوب الفضفاض الأسود و عصبة الرأس بمنديل مزركش وقماشة سوداء تغطي صدرها و أغلبهن يحملن علب التـتن وخاصة تلك علب التنباك وورقها ويبدأن بلف سكائرهن بلذة , ثم يبدأن النسوة بالـسب و الشتم على اليهود وعلى موشي دايان .. حتى تنتهي القائمة ببعض مسؤلي محافظة القنيطرة المشرفين على توزيع الإعاشة , لأن مجتمعنا تربى على المحسوبيات و الواسطة , فبعض الناس ينتظرون حتى وقت غياب الشمس وقد يعودون لبيوتهم بلا جدوى ويكرر الرحلة مرة ومرتين وأكثر , كان المنظـر مقرف جداً ومفزع ويدعو إلى السخط شبيه بتلك الجموع التي شردتها الحرب العالمية الثانية , فقـرٌ مقفر وجوعٌ لا يرحم نعم جوعٌ بالمعنى التام وأوباءٌ وأمراضٌ سارية , و ما أن تفتح نوافذ الأعاشة حتى تتدافع جموع النازحين بشكل جنوني يبقى الأقوى والضعيف ربما سحنته الأقدام وقد أختلط الرجال بالنساء وضاع كل شئ .. كرامة الأنسان و كل حقوق الأنسان أغتصبت و لم يبق عيب ولا حرام ولا حدود أخلاقية , سمعت الكثيرين هناك يجشهون ويبكون ويتضرعون ويتوسلون , وكان البعض من النفوس المريضة يستغلون هذا الوضع فمنهم من كان نشالاً ومنهم من كان يتحرش بالنساء ومنهم من أبدى بطولاته و جرب عضلاته , وكان الضعيف منهم لا يقوي الإ على أسرته فيطفئ غضبه بهم ( فشة خلـق) .
وكان أغلب النازحين يبكون فجراً وضحاً وعصراً و عشاءً , كانت عيونهم تدمع وقلوبهم تنزف ولا يملكون الإ الدعاء و الآهات والحسرات على كل شئ , لقد مات الكثيرون وهم يتحسرون على أحوالهم و مات الكثيرون وهم يبحثون عن جولانهم , ومات الكثيرون وقد أقسموا بأن لايأكل الزيتون الإ في جباتا الزيت ومات الكثيرون وهم يرفضون أن يشتروا داراً في دمشق , ومات الكثيرون وقد عاهدوا الله أن يمشوا حفاة إلى قراهم في الجولان , مات غيرهم وهو يوصي بنقل رفاته إلى الجولان , هؤلاء هم أهل الجولان الحقيقيون الذين لم ينسوا لحظةً أبداً بلادهم كما أنشد الشاعر إيليا أبو ماضي يقول :
قالت أينسى النازحون بلادهم ما هاج حزن القلب غير سؤالها ؟
كان الكثيرون من رجال الجولان يخدم في الحرس الوطني أثناء الحـرب الخاطفة , والحرس الوطني عبارة عن كتائب شبه عسكرية أي ميليشيات عسكرية , وكانت اسرائيل عبر وسائل الإعلام العبرية تجعل منها قواتٌ مرعبـة وفي الواقع كنا نسمع تلك الشائعات الصهيونية ونصدقها وما كانت هذه القوات الإ عبارة عن حشدُ من الرجال لا يعرفون من التدريب شيئاً البتة و كان همهم قبض الرواتب الشهرية , وعند بدء الحرب لم نشهد لتلك الميليشيات أي قتال مع العدو .... !
أما أولئـك الذين مازالوا يتغنون لأمجاد الحزب , فكنت أسمع خطبهم وأناشيدهم وأغانيهم وزجلاتهم وما كانت هذه الإ قرع طبول في القرن الخامس عشر وصرير أبواب قلعة النمرود و هدج بعير لأبن عجلان و تـزمير سجناء الباستيل , كانت خطبهم قد أنستنا خططهم الخرقاء وخرقهم أصبحت علقم نداوي جروحنا وأغانيهم صار أوكسجين حياتنا ولن ننسى تلك الشعارات أنشودة الصباح فاتحة اليوم أما صحفهم فكانت تندد وتتوعد للعدو وكأن الجولان في جيبنا اليمين والقدس في اليسار, كان هؤلاء الرفاق يعرفون كل القيم الأشتراكية والماركسية والنهضوية والثورية .... ولكــن للآسف كانوا يلعنون من كان يسعى لتطبيـق العدالة و نصرة المظلوم , كانوا يلعنون كل من كان يسجد لله و يقدسون من كان يركع لغير الله , حسبنا الله ..... وكان خير من عبر عن الآمنا وأوجاعنا الشاعر المرحوم نادر عساف بقوله :
فنزحنا
ألف "شحوار" عليكم وعلينا
يارفاق لم يذوقوا
طعم أوجاع النزوح
عندما جئنا إليكم
فبكيتم وحزنتم لشقاء النازحين
مرة ثـم مضيتم
غـير أنـــا
نحــن أكباش الضحايا
كل يوم ولــنا فيه نزوح
ودموع , وجــــروح
كلـــمــا طـافت الذكــرى بـنـا وبـكيــنـا .
كان لهؤلاء الرفاق دور اساسي يوم أصبح النازح لقب ثمين وهوية أخرى لأهل الجولان الذين أصبحوا في ديارهم شعب من النخب الثاني وأنتشرت تلك الكلمة من جهراء يومها إلى ماشاء الله , وكنا نحن كل شئ يمت إلى الأخلاق البغيضة , وكان هم فقط نبلاء البلد و شرفاء الوطن و كرماء الدنيا و المخلصين و الغيورين و المجتهدين , هم الذين كانوا يصنعون ويخترعون ويزرعون و ينسجون و يعطون.. وكنـا نحـــن ونحن فقط الذين نأكل ما يزرعون ونلبس ماينسجون و نأخذ مايعطون ...... هم كانوا عماد الوطن وكنا نحن عصابة الوطن هم الذين أنعم الله عليهم ونحن من غضب الله علينا , ويشاركني الشاعر المرحوم نـادر عسـاف بقوله :
صـار اسم النازحـين
لـعنة في كـل حـــي
بـعـبـعــاً في كل بيـت
أصبح النازح عبـئاً
وشــــريــداً في بلاده
فـملأتـــم قلــبه حـقداً و كــفـراً وجـبانة
ألف شـــكر يارفاق .
اليوم تغير كل شئ في حياتي , ضاعت مني الأرض و فقدت هويتي و ضاع تراثي وأخلاقي و جذوري , وتحولت حياة النازحين إلى حياة أخرى فكان النازح هو الجندي المقاتل و العامل وهو بائع التهريب وماسح الأحذية وحفار القبور وبائعي الخضار و الشيال و كل الأعمال الحقيرة و المجهدة أصبحت للنازحين فقط .
أصبح عنواننا الجديد في نهر عيشة وعمي في دف الشوك و خالي في مخيم سبينة وخالتي في مخيم أبو نوري و جدي نقل بيته من الزفتية إلى مخيم الذيابية و عمي الأخر سكن في مخيم الوافدين وأخر في مساكن برزة وأخر في البهدلية وبقية أبناء قريتي بين مخيم اليرموك و مخيم فلسطين و الحجر الأسود وجديدة عرطوز ... و كان والدي يقتصد من مرتبه لعدة شهور إن قرر زيارة أخوته لتكفيه أجور مواصلات .
يوم العيد عندنا نحن النازحين كان يومَ جهاد حقيقي لقد كان قبـر جدي في تربة الشيخ رسلان وجدي الآخر في تربة الحقلة وأمي في الحقلة وأبي دفن في قبر أبيه , وجدتي في تربة التقدم و عمتي في تربة باب الصغير , وكنا نجاهد للوصول إلى تلك المقابر في يوم مزدحم بالسير , نغسل القبور ونضع فوقها حزمة من الريحان ونقرأ ماتيسر من القرآن الكريم ثم نصلي العيد , بعد ذلك كنا نسعى لزيارة الأقارب بأحيائهم المتفرقة , وكنا ننسى كل همومنا ونفرح للقاء الأحبة والأقارب ونسأل عن بعضنا وعن أخر أخبارنا وكنا نتعاون لمساعدة المحتاج والمدين و نزور المريض و نواسيه و نزور بيوت آخر من توفى ونعزي أهله ونقرأ الفاتحة ونترحم عليه , كان النازحون محنةٌ طويلة الآجل وكانوا مثالاً لوفائهم وحبهم وإخلاصهم و كانوا مصدر أعجاب و كان الوافدين من المحافظات ( وهم كثر) إذا ضاقت عليهم الدنيا يقول أحدهم يالتني كنت منهم , لقد أنتشرت بيوت المخالفات وكانت تنسب إلى النازحين في كل مكان من دمشق , وفي الواقع لم تكن نسبة النازحين منها أكثر من عشرين % من مجموع تلك المخالفات وكانت عائلات العسكر و الشرطة وغيرها قد فرضت الأمر الواقع وأحتلت بساتين و تلال و هضاب دمشق بحجة الأستنفار والدفاع عن الوطن وتحرير الجولان , واليوم مضى أكثر من أثنين وأربعين سنة ومازلنا نستنفر ونقارع العدو , و نحن كنا دبــركل صلاة كنا ندعو الله رب العالمين أن يفرج كربنا و يشفي صدورنا و ينصرنا على عدونا و يدمر أساطيلهم ويسحق جنودهم ويرمل نسائهم وييتم أطفالهم وندحرأورشليم المزعومة وندوس علـى زعمائهم و نرفع الرايات نكالاً بهم .......
ننتظر وقد جف صبرنا "عودة الجولان إلينا كيف ماكان".
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
قصة النازحون الجزء الثاني
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
المركز الثقافي العربي في البطيحة :: مكتبة المركز الثقافي-
انتقل الى: